محمد بن جرير الطبري

289

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

عليه وسلم ، قال : امر الذي حاج إبراهيم في ربه بإبراهيم ، فأخرج - يعنى من مدينته - قال : فأخرج فلقى لوطا على باب المدينة - وهو ابن أخيه - فدعاه فآمن به ، وقال : « إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي » ، وحلف نمرود ان يطلب اله إبراهيم ، فاخذ أربعة افرخ من فراخ النسور ، فرباهن باللحم والخمر ، حتى إذا كبرن وغلظن واستعلجن ، قرنهن بتابوت ، وقعد في ذلك التابوت ، ثم رفع رجلا من لحم لهن ، فطرن به ، حتى إذا ذهبن في السماء اشرف ينظر إلى الأرض ، فرأى الجبال تدب كدبيب النمل ، ثم رفع لهن اللحم ، ثم نظر فرأى الأرض محيطا بها بحر كأنها فلكه في ماء ، ثم رفع طويلا فوقع في ظلمه ، فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته ، ففزع فالقى اللحم فاتبعته منقضات ، فلما نظرت الجبال إليهن وقد اقبلن منقضات وسمعن حفيفهن فزعت الجبال ، وكادت ان تزول من أمكنتها ولم يفعلن ، وذلك قوله عز وجل : « وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ » ، وهي في قراءة ابن مسعود : « وان كاد مكرهم » فكان طيرانهن به من بيت المقدس ، ووقوعهن في جبل الدخان ، فلما رأى انه لا يطيق شيئا أخذ في بناء الصرح ، فبنى حتى إذا اسنده إلى السماء ارتقى فوقه ينظر - بزعمه - إلى اله إبراهيم ، فأحدث ولم يكن يحدث ، وأخذ الله بنيانه من القواعد : « فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ » ، يقول : من مأمنهم ، واخذهم من أساس الصرح ، فتنقض بهم ثم سقط فتبلبلت السن الناس من يومئذ من الفزع ، فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا ، فلذلك سميت بابل ، وانما كان لسان الناس قبل ذلك السريانية